أجنحة في مستوطنة العقاب
الفصل الأول
استيقظت متأخرًا، أو أنا لست أدري على وجه الدقة متى استيقظت؛ فربما كنت مستيقظًا منذ مدة أنتظر رنة المنبه، فالزمن هنا بات كسائل لزج لا شوائب فيه تغير من جريانه أو تقطعه....
أجنحة في مستوطنة العقاب
الفصل الأول
استيقظت متأخرًا، أو أنا لست أدري على وجه الدقة متى استيقظت؛ فربما كنت مستيقظًا منذ مدة أنتظر رنة المنبه، فالزمن هنا بات كسائل لزج لا شوائب فيه تغير من جريانه أو تقطعه. ولكن إن لم تمزق رنة المنبه صمت الصباح، كيف لم يمزقه رنين الهاتف؟ الشمس بدأت باختراق غرفتي معلنة أنه يوم سيئ آخر ويوم عناءٍ طويل لا ينتهي. وكانت في السابق خجولة لا تقتحم غرفتي حتى أغادر سريري، فإن كانت هي الخجولة قد اقتحمت يومي بوقاحة، فكيف لا يمكن للهاتف أن يقتحمه؟ أن يجعلني أسمع توبيخًا من رب العمل على التأخر؟ نظرت للهاتف الذي تشوّهت معالمه وشاخ قبل أوانه، كان يتدلى من أسفله وحتى الحائط سلك الشاحن. مددت يدي ناحية ضوء السرير، يبدو أن كل الظروف تخبرني بذات الشيء. تقلبت في فراشي ناحية الهاتف، لمست شاشته لأتيقن من وجوده وأنه لم يمت قبلي. أظهرت شاشته التوقيت، هي التاسعة والربع. لقد تجاوزت حتى الوقت الذي يُعزى لزحمة المواصلات ويُحتج به، فكيف لم يرن الهاتف بعد!
هل واتتني الجرأة البارحة لأتخذ قرارًا لم أجرؤ على اتخاذه؟ ولكنها كما فكّرت بها طويلًا ليست سوى جنون، جنون يزيد سوء أيامي سوءًا وأفقد معه قدرتي على اللهث خلف معنى لا أجده. وإن كان لا يغير مسار الكون سوى الجنون؛ إلا أني لم أعد أهتم بشيء، فلا شيء بات يهم حقًا. هو ربما نسي أني أعمل لديه، ولكن هذا احتمال أكثر جنونًا، فهو في مثل هذا التوقيت يكون قد دخل إلى وسط الصالة حاملًا بيده كوب قهوته المرشحة، يدور بين الموظفين ليبسط سطوته التي يغلفها بدعوى إلقاء تحية الصباح والسؤال عن أحوال الموظفين، ويكون يوم سعده إذا كان أحدهم يحتاج إذنًا...
إذنًا...
ذلك الموعد الدوري في إدارة الهجرة، الروتيني كما باتت حياتنا، الموعد الذي نتسوّل فيه شرعية وجودنا، والذي دفعت لأجله تملقًا وانحناءات طويلة وطقوس الطاعة ليسمح لي بأن أثبت لشخص آخر أنني أستحق التنفس يومًا إضافيًا، فأزيد من عمر بقائي في هذه البلاد يومًا آخر.
إذن الهاتف لن يرن.
حملته وغادرت فراشي متجهًا ناحية المطبخ لأحضر فنجان قهوة تختبر مرارته مدى خدر حواسي كما تختبرها الحياة، فأشعر أني بشري لم يتبلد بعد؛ هو فنجان صغير تتجلى فيه محاولة يائسة في مقاومة النعس والنسيان.
فتحت هاتفي، بدأت التقليب به، أبحث عن رسالة منك؟ ربما، أو عن خبر آخر أو شيء لا أدريه، ولكن هو الحال لم يتغير، كاحتمالاتي. فما وجدت نفسي إلا وقد شغلت أغنية لفيروز لتملأ هذا الفراغ ورحت أدندن شيئًا معها:
واحد عم ياكل خس... وواحد عم ياكل تين
وفي واحد هوّي ومرتو
ولُو شو بشعة مرتو
نيّالُن ما أفضى بالن... ركاب تنورين
ومش عارفين عيونك يا.. عليا شو حلوين
عيونك
هي ثوانٍ قد شاح فيها بصري عن ركوة القهوة التي بدأت بالغليان وأطفأت النار المتقدة، أعلنت عن نفسها كأول حدث سيئ في يومي. تجاهلتها ليقيني بأني آخر يومي سيكون لديّ من الأحداث ما ينسيني هذا الحدث وسوئه، سكبت في الفنجان ما تبقى منها وجلست خلف الطاولة وأشعلت سيجارتي، ففاجأتني فيروز المستمرة في الغناء بقولها: «في أمل.. إيه في أمل». لقد سقط على أذني كتهكم جارح، أي أمل تريده؟... شعرت وكأني أسمعها لأول مرة وغرقت في أبعاد أخرى من معانيها. تُرى ثمة أمل؟ أمل بحدث يغير مجرى الكون؟ أو أمل بتحسن الحياة؟ أو أمل بأن يكون قد خبأ لي القدر اليوم شيئًا أفضل؟ أو أمل بحديث أخير؟ أو ربما معنًى عابرًا لكل هذا العبث؟ وأغرقت في التفكير فانهمر عليّ سيل من الاحتمالات لأحداث هي ربما تقع في أكوان موازية: ماذا لو أني لم أتعرف عليكِ؟ أو ماذا لو لم أرتكب الحماقة المفترضة؟ وتُرى ما أسباب جفائكِ ومن منا – على وجه اليقين – قد هجر الآخر؟ ماذا لو أني لم أشعر بفقدان الأمل؟ ماذا لو كان على هذه الأرض ما يستحق الحياة؟ ماذا لو أن الثورة لم تقم؟ ماذا لو أني استمريت بثورتي فقررت ألا أذهب للدائرة الحكومية؟ بل ماذا لو لم تكن هي موجودة من الأساس؟ تُرى أي حديث سيدور بيني وبين موظف يرى نفسه مانح الحياة؟ تكدست الأسئلة في رأسي وتناوبت بين "لو" و"لماذا" حتى بدا تزاحمها يشعرني بأن جدران المطبخ تضيق عليّ، فخرجت إلى الشرفة حاملًا فنجان قهوتي، لكن سيل الأسئلة والاحتمالات التي لا أملك مفاتيحها لم يخرج مني. هل شعرتِ يومًا بمثل هذا السيل؟ هو اختناق بالذكريات وشعور بامتلاك العديد من الحيوات الضائعة مع فقدان اللحظة نفسها. أتدرين أن الأمر أشبه بطوفانٍ من الأفكار يجرف أي قدرة على التفكير بأمر محدد، كما لو أن الاحتمالات هذه قد أصبحت صفرًا، وكأن امتلاككِ جميع الأشياء يعادل عدم امتلاكك أي شيء، فيا ليت لو أن عدم امتلاكنا أي شيء يبيح لنا امتلاك كل شيء.
بقيت على حالي هذه حتى انتشلني منها وهج سيجارتي وقد اقترب من سبابتي، فأطفأتها مسرعًا وعدت إلى غرفتي بينما لا يزال صوت فيروز يصدح من المطبخ. ارتديت ملابسي وتناولت هاتفي من المطبخ وعدت للغرفة لجلب مفاتيحي وأوراقي الثبوتية، وهويتي؛ تلك اللوحة البيروقراطية التي تصلح لأن تحتل صدر حائط الصالون، لا أن تُحمل في جيب أو محفظة، فهي أكبر من ذلك، فهي تحمل تاريخي وتفاصيل حياتي التي تدور في فلك إحدى عشرة خانة تحبسها في سلسلة صماء، ويُضفى عليها إرضاءً لإنسانية زائفة حروفًا منمقة التصقت بي بمشيئة الأقدار لأُنادى بها بدل الأرقام.
وضعتها في حقيبة مخصصة، فقد قُدر لها حجمها هذا لكي تُرى من كيلومترات بعيدة وتُسهل تمييزي لمن لا يراني إلا من خلال مستطيل أصفر؛ مستطيل بضياعه أهوي في دوامة لا تنتهي من تأدية فروض الطاعة والكثير من الانحناءات في مواعيد تستنفد عمري وتجعل من حياتي وقفًا لها، ونشر في الصحف والمجلات عسى أن يؤكد أحدهم ضياع قيدي، وسيل من التحقيقات وكأني قد بعت هذه اللوحة لتاجر أو عميل دولة معادية. وكل هذا التيه لكي أحظى في النهاية بطباعة ورقة صفراء جديدة تحمل ذات الصفات، تعيد اختصاري بإحدى عشرة خانة وتطيل عمر بقائي في هذه البلاد يومًا آخر... هذا إن لم أُنفَ يوم ضياعها.
وضعتها في حقيبتها بحنو المحب لما كره، ودسست برفق بجانبها مفاتيحي وما يلزم من أوراق أخرى للموعد المشؤوم. وعلى الرغم من بداهة هذه التفاصيل، إلا أنها تفاصيل تثقل الكاهل، فهي كشاهد قبر متنقل أحمله على عاتقي تُعرف من خلاله جثتي حينما تهوي، يحافظ على ما تبقى من هويتي وأحافظ عليه بذعر مرير لأبقى متذكرًا من أنا وإلى أين أمضي، رغم يقيني بأن حياتي تبدأ في اللحظة التي أتخلى فيها عن هذا القبر.